سلوى اللعينة (الجزء الأول)

سلوى اللعينة (الجزء الأول)

بدأَت سلوى تُطيل المكوث في فراشها صباحً إلى وقت طويل وتُبقي لحماتها مهام تدبير أمور البيت. فبالرغم مِن وجود عاملة، كان فريد يُصرّ أن يُحضَّر الطعام مِن قِبَل أمّه ولاحقًا طبعًا زوجته. لَم تنزعِج أمّ فريد مِن الأمر بل تركَت العروس ترتاح آملة أن يكون ذلك الخمول دلالة على حَمل ما. بعد أن رأَت سلوى أنّ حماتها لَم تتأثّر بذلك، قرّرَت زيادة الضغط عليها فصارَت تخربُ الطعام وهو لا يزالُ في أواني التحضير، أي بزيادة كميّة الملح أو الكثير مِن التوابل والفلفل الحارّ، الأمر الذي حيَّرَ أم فريد وابنها وكلّ سكّان البيت. وبما أنّ سلوى لَم تكن تدخل المطبخ قطّ، لَم يجد أحدٌ تفسيرًا منطقيًّا لِما يجري سوى أنّ العجوز مُرهقة. لكن سلوى همسَت في أذن زوجها أن أمّه قد تكون قد تكون بدأت تفقد عقلها. وحين رأَت في عَينيه لمحة همّ، علِمَت أنّها وجدَت الحلّ المُناسب للتخلّص مِن أمّه. وصارَت سلوى تشتكي عاليًا مِن هفوات وأخطاء حماتها خلال النهار لتؤكّد نظريّة الخرَف، إلا أنّ لا أحد حرّكَ ساكنًا. عندها، وبعد أن تأكّدَت مِن أنّ العاملة تُنظّف الطابق العلويّ، فعلَت ما لَم يتصوّره زوجها مُمكنًا وهو أنّها خدَشَت نفسها ومزّقَت قميص نومها واقتلعَت خصلاً مِن شعرها قبل أن تتّصل بزوجها باكيةً وطالبةً النجدة. وعندما وصَلَ فريد البيت كالمجنون ووجَدَ زوجته الحبيبة بهذه الحالة، راح يصرخُ على أمّه ناعةً ايّاها بالخرِفة. وأمامَ اندهاش أمّه وعدَم معرفتها بالذي حصَلَ، تأكَّدَ ابنها أنّها فقدَت عقلها.

طُلِبَ الطبيب ليُداوي جروح سلوى وسُئِلَ عمّا يجب فعله بالعجوز التي، كما كان واضحًا، صارَت تُشكّلُ خطرًا على كنّتها. فروَت سلوى لِسامعيها أنّها كانت نائمة حين أحسَّت بأحد يمسكها بشعرها ويقتلعُها مِن سريرها. مِن ثمّ اكتشفَت أنّها حماتها التي وصفَتها بأنّها كانت كالذئب المُفترس والتي بدأَت تخدشُ ذراعَيها ورقبتها وتُردّدُ: "إرحلي مِن بيتي ! وأتركي ابني وشأنه!" قالَت سلوى إنّها استطاعَت بعناء اخراج حماتها مِن الغرفة لتتصّل بفريد ليأتي ويُنجدها. بكَت سلوى بحرارة وهي تقصُّ ما حصل مُستميلةً الطبيب إليها الذي لَم يُصدّق أنّ أحدًا قد يؤذي هكذا مخلوقة رقيقة وجميلة.

إجتمَعَ فريد مع أخوَيه وقرّروا جميعًا أنّ أمّهم لا يجب أن تبقى لوحدها مع سلوى حتى لو كان هناك عاملة، فذلك لَم يكن كافيًا لحماية العروس. الخطوة الأولى كانت أن بعثوا العجوز إلى المشفى ليتمّ فحصها وتهدئة الأجواء والنفوس، فآخر ما كان يُريدُه فريد هو افزاع حبيبته وحملها على هجره. فهو لَم يصدّق بعد أنّه وجَدَ هكذا امرأة. رفضَت أمّه بقوّة ترك البيت ولو لفترة وجيزة وأقمسَت أنّها لَم تلمِس سلوى قط. إلا أنّهم أقنعوها بأنّها قد تكون بحالة تمنعُها مِن التذكّر والسيطرة على أفعالها. وهكذا تمكّنوا مِن اقناع العجوز بالذهاب طوعًا لمؤسّسة تُعنى بهكذا حالات واعدين ايّاها بأنّ غيابها لن يطول.

لكنّ سلوى لَم تتوقّع أنّ خدعتها لن تمرّ على طاقم المشفى الطبيّ، إذ أنّهم لَم يجدوا في العجوز أي خطَب بعد أن أجروا لها كلّ الصوَر والتحاليل الممكنة، فعادَت حماتها مُنتصرة إلى بيتها ومُتحضِّرة لخوض معركة ضارية لتحمي وجودها.

سُرَّ أولاد العجوز بعودتها سالمة إلا أنّهم لَم يستطيعوا تفسير هجومها على كنّتها إلا بأنّها نتيجة أذىً مجانيّ بعد أن تأكّدوا أنّها ليست خرفة، لِذا قرَّرَ فريد منعها مِن الاقتراب مِن زوجته مهما كان السبب وإلا اتّخَذَ بحقّها تدابير قاسية. قبِلَت أمّه بهذا الشرط فذلك سيُريحُها هي الأخرى، إلا أنّها نبّهَت ابنها مِن زوجته فمَن يشوّه نفسه هكذا هو قادر على أيّ شيء. وبالطبع لَم يُعِر فريد أي اهتمام لكلام أمّه بل ردّه إلى نقمة حماةٍ مِن كنّتها.

تذرّعَت سلوى بأنّها لا تستطيع التفكير حتى بالإنجاب بعد التعدّي الذي حصَلَ لها وحتى بمُجرّد التفكير بأنّ الجانية لا تزال موجودة ليس بعيدًا عنها. تفهّمَ فريد تلك المخاوف ووعدها بأنّه سيجدُ حلاً بالقريب العاجل. وبعد أقلّ مِن شهر على عودة أمّه مِن المشفى، أجبرَها ابنها على السفر إلى اختها في الولايات المُتحّدة. لَم يكن يعلَم فريد حينها أنّه لن يرى أمّه مُجدّدًا.

لكن ما كانت سلوى مُتأكّدة منه، هو أنّ غريمتها صارَت بعيدة وانفتَحَ أمامها المجال لتضعَ يدها على كلّ ما ومَن أرادَته.

 

يتبع...





قد يهمّكِ أيضاً

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة ELLE